تفسير ابن كثير تفسير الصفحة 300 من المصحف



تفسير ابن كثير - صفحة القرآن رقم 300

300 : تفسير الصفحة رقم 300 من القرآن الكريم

** وَلَقَدْ صَرّفْنَا فِي هَـَذَا الْقُرْآنِ لِلنّاسِ مِن كُلّ مَثَلٍ وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً
يقول تعالى: ولقد بينا للناس في هذا القرآن ووضحنا لهم الأمور وفصلناها كيلا يضلوا عن الحق ويخرجوا عن طريق الهدى, ومع هذا البيان وهذا الفرقان الإنسان كثير المجادلة والمخاصمة المعارضة للحق بالباطل إلا من هدى الله بصره لطريق النجاة. قال الإمام أحمد: حدثنا أبو اليمان, أخبرنا شعيب عن الزهري, أخبرني علي بن الحسين أن حسين بن علي أخبره أن علي بن أبي طالب أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طرقه وفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة, فقال: «ألا تصليان ؟» فقلت: يا رسول الله إنما أنفسنا بيد الله, فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا, فانصرف حين قلت ذلك ولم يرجع إلي شيئاً, ثم سمعته وهو مول يضرب فخذه ويقول: {وكان الإنسان أكثر شيء جدل} أخرجاه في الصحيحين.

** وَمَا مَنَعَ النّاسَ أَن يُؤْمِنُوَاْ إِذْ جَآءَهُمُ الْهُدَىَ وَيَسْتَغْفِرُواْ رَبّهُمْ إِلاّ أَن تَأْتِيَهُمْ سُنّةُ الأوّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلاً * وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاّ مُبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَيُجَادِلُ الّذِينَ كَفَرُواْ بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِهِ الْحَقّ وَاتّخَذُوَاْ آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُواْ هُزُواً
يخبر تعالى عن تمرد الكفرة في قديم الزمان وحديثه, وتكذيبهم بالحق البين الظاهر مع ما يشاهدون من الاَيات والدلالات الواضحات, وأنه ما منعهم من اتباع ذلك إلا طلبهم أن يشاهدوا العذاب الذي وعدوا به عياناً, كما قال أولئك لنبيهم: {فأسقط علينا كسفاً من السماء إن كنت من الصادقين} وآخرون قالوا {ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين} وقالت قريش {اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم} {وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين} إلى غير ذلك من الاَيات الدالة على ذلك.
ثم قال {إلا أن تأتيهم سنة الأولين} من غشيانهم بالعذاب وأخذهم عن آخرهم, {أو يأتيهم العذاب قبل} أي يرونه عياناً مواجهة ومقابلة, ثم قال تعالى: {وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين} أي قبل العذاب مبشرين من صدقهم وآمن بهم, ومنذرين لمن كذبهم وخالفهم, ثم أخبر عن الكفار بأنهم {يجادلون بالباطل ليدخصوا به الحق} أي ليضعفوا به الحق الذي جاءتهم به الرسل, وليس ذلك بحاصل لهم, {واتخذوا آياتي وما أنذروا هزو} أي اتخذوا الحجج والبراهين وخوارق العادات التي بعث بها الرسل وما أنذروهم وخوفوهم به من العذاب {هزو} أي سخروا منهم في ذلك وهو أشد التكذيب.

** وَمَنْ أَظْلَمُ مِمّن ذُكّرَ بِآيِاتِ رَبّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدّمَتْ يَدَاهُ إِنّا جَعَلْنَا عَلَىَ قُلُوبِهِمْ أَكِنّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَىَ الْهُدَىَ فَلَنْ يَهْتَدُوَاْ إِذاً أَبَداً * وَرَبّكَ الْغَفُورُ ذُو الرّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُواْ لَعَجّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَل لّهُم مّوْعِدٌ لّن يَجِدُواْ مِن دُونِهِ مَوْئِلاٍ * وَتِلْكَ الْقُرَىَ أَهْلَكْنَاهُمْ لَمّا ظَلَمُواْ وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مّوْعِداً
يقول تعالى: وأي عباد الله أظلم ممن ذكر بآيات الله فأعرض عنها, أي تناساها وأعرض عنها ولم يصغ لها ولا ألقى إليها بالاً, {ونسي ما قدمت يداه} أي من الأعمال السيئة والأفعال القبيحة, {إنا جعلنا على قلوبهم} أي قلوب هؤلاء {أكنة} أي أغطية وغشاوة {أن يفقهوه} أي لئلا يفهموا هذا القرآن والبيان {وفي آذانهم وقر} أي صمماً معنوياً عن الرشاد {وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذاً أبد}.
وقوله: {وربك الغفور ذو الرحمة} أي ربك يا محمد غفور ذو رحمة واسعة {لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب} كما قال: {ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة} وقال: {وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب} والاَيات في هذا كثيرة شتى, ثم أخبر أنه يحلم ويستر ويغفر, وربما هدى بعضهم من الغي إلى الرشاد, ومن استمر منهم فله يوم يشيب فيه الوليد, وتضع كل ذات حمل حملها, ولهذا قال: {بل لهم موعد لن يجدوا من دونه موئل} أي ليس لهم عنه محيص ولا محيد ولا معدل. وقوله: {وتلك القرى أهلكناهم لما ظلمو} أي الأمم السالفة والقرون الخالية, أهلكناهم بسبب كفرهم وعنادهم, {وجعلنا لمهلكهم موعد} أي جعلناه إلى مدة معلومة ووقت معين, لا يزيد ولا ينقص, أي وكذلك أنتم أيها المشركون احذروا أن يصيبكم ما أصابهم, فقد كذبتم أشرف رسول وأعظم نبي, ولستم بأعز علينا منهم, فخافوا عذابي ونذري.